عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

207

اللباب في علوم الكتاب

فإن قيل : إذا صحّ هذا التأويل ، فما الحكمة في هذا التّرتيب ؟ ! فالجواب من وجوه : أحدها : أنه تبارك وتعالى قدّم الأولى فالأولى ؛ لأنّ الفقير القريب أولى بالصّدقة من غيره ، لأنّه يجمع فيه بين الصلة ، والصّدقة ، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه ، ولذلك يستحقّ بها الإرث ، ويحجر على ذي المال بسببه في الوصيّة ، حتى لا يتمكّن من الوصية ، إلا في الثّلث ، ولذلك كانت الوصيّة للأقارب من الواجبات ؛ لقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ [ البقرة : 180 ] . وإن كانت نسخت عند بعضهم ؛ فلهذه الوجوه ، قدّم ذوي القربى ، ثم أتبعه باليتامى ؛ لأنّ الصغير الفقير الذي لا والد له ، ولا كاسب ، فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه ، ثم أتبعهم بالمساكين ؛ لأنّ الحاجة قد تشتدّ بهم ، ثم ذكر السّائلين ، وفي الرقاب ؛ لأن حاجتهما دون حاجة من تقدّم . وثانيها : أن علم المرء بشدّة حاجة قريبه « 1 » أقوى ، ثم بحاجة الأيتام ، ثم بحاجة المساكين ثم « 2 » على هذا النّسق . وثالثها : أن ذا القربى مسكين ، وله صفة زائدة تخصّه ؛ لأن شدّة حاجته تغمّ صاحب المال ، وتؤذي قلبه ، ودفع الضّرر عن النّفس مقدّم على دفع الضرر عن الغير ؛ فلذلك بدأ اللّه بذي القربى ، ثم باليتامى ؛ لأن الغمّ الحاصل بسبب عجز الصّغار عن الطّعام والشّراب أشدّ من الغمّ الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما ، ثم المساكين ؛ لأنّ الغمّ الحاصل بسببهم أخفّ من الغم الحاصل بسبب الصّغار . وأمّا ابن السّبيل ، فقد يكون غنيّا ، وقد تشتدّ حاجته في الوقت ، والسّائل قد يكون غنيّا ، ويظهر شدّة الحاجة ، وأخّر المكاتب ؛ لأنّ إزالة الرق ليست في محلّ الحاجة الشّديدة . القول الثاني : أنّ المراد بإيتاء المال : ما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - عند ذكره الإبل ، قال : « إنّ فيها حقّا ؛ وهو إطراق فحلها ، وإعارة دلوها » ، وهذا بعيد ؛ لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختصّ به ابن السّبيل ، والسائل والمكاتب . القول الثالث : أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجبا ، ثم نسخ بالزّكاة ، وهذا أيضا ضعيف ، لأنه تبارك وتعالى جمع في هذه الآية الكريمة بين هذا الإيتاء ، وبين الزكاة . وقال بعضهم : المراد صدقة التطوّع . فصل في الوجوه الإعرابية لقوله « ذوي » قوله « ذوي » فيه وجهان :

--> ( 1 ) في ب : شدة حاجته لقريبه . ( 2 ) في ب : السائلين تعم .